أبي حيان الأندلسي
145
تفسير البحر المحيط
روي أن موسى عليه السلام لما عزم الخضر على مفارقته أخذ بثيابه ، وقال : لا أفارقك حتى تخبرني بمَ أباح لك فعل ما فعلت ، فلما التمس ذلك منه أخذ في البيان والتفصيل ، فقال : * ( أَمَّا السَّفِينَةُ ) * فبدأ بقصة ما وقع له أولاً . قيل : كانت لعشرة إخوة ، خمسة زمني وخمسة يعملون في البحر . وقيل : كانوا أجراء فنسبت إليهم للاختصاص . وقرأ الجمهور : مساكين بتخفيف السين جمع مسكين . وقرأ عليّ كرم الله وجهه بتشديد السين جمع مساك جمع تصحيح . فقيل : المعنى ملاحين ، والمساك الذي يمسك رجل السفينة وكل منهم يصلح لذلك . وقيل : المساكون دبغة المسوك وهي الجلود واحدها مسك ، والقراءة الأولى تدل على أن السفينة كانت لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق عليهم ، واحتج بهذه الآية على أن المسكين هو الذي له بلغة من العيش كالسفينة لهؤلاء ، وأنه أصلح حالاً من الفقير . وقوله * ( فَأَرَدتُّ ) * فيه إسناد إرادة العيب إليه . وفي قوله : فأراد ربك أن يبلغا لما في ذكر العيب ما فيه فلم يسنده إلى الله ، ولما في ذلك من فعل الخير أسنده إلى الله تعالى . قال الزمخشري : فإن قلت : قوله * ( فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ) * مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب فلم قدم عليه ؟ قلت : النية به التأخير ، وإنما قدم للعناية ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ، ولكن مع كونها * ( * المساكين ) * فكان بمنزلة قولك : زيد ظني مقيم . وقيل في قراءة أبيّ وعبد الله كل سفينة صالحة انتهى . ومعنى * ( فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ) * بخرقها . وقرأ الجمهور * ( وَرَاءهُم ) * وهو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام ، ومعناه هنا أمامهم . وكذا قرأ ابن عباس وابن جبير . وكون * ( وَرَاءهُم ) * بمعنى أمامهم قول قتادة وأبي عبيد وابن السكيت والزجاج ، ولا خلاف عند أهل اللغة أن وراء يجوز بمعنى قدام ، وجاء في التزيل والشعر قال تعالى * ( مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ) * وقال * ( وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ) * وقال * ( وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ) * . وقال لبيد : * أليس ورائي إن تراخت منيتي * لزوم العصا يحني عليها الأصابع * وقال سوار بن المضرب السعدي * أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا * وقال آخر * أليس ورائي أن أدب على العصا * فتأمن أعداء وتسأمني أهلي وقال ابن عطية : وقوله * ( وَرَاءهُم ) * عندي هو على بابه ، وذلك أن هذه الالفاظ إنما تجيء يراعى بها الزمن ، والذي يأتي بعد هو الوراء وهو ما خلف ، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي ، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت